مجمع البحوث الاسلامية
149
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
التّحذير في استعمال اسم من هذا الفعل في الآية الثّانية . ثانيا : جاء في الآيات ( 3 ) إلى ( 6 ) لفظ « البروج » وقد استعمل في ( 3 ) استعمالا يستأنس به النّاس ، بما رأوا من البروج في أرجاء المعمورة . أمّا في سائر الآيات فقد استعمل هذا اللّفظ في وصف ما في السّماء من البروج ، تشبيها لها بما تعرفه النّاس في الأرض من البروج المشيّدة ، لاستعلائها وشموخها . ثالثا : نرى أنّ « البروج » في هذه الموارد اصطلاح فلكيّ ، استعمله القرآن لشيوعه عند العرب حينذاك ، ونظيره المشرق والمغرب ونحوهما . ولم يأخذه من الفلكيّين ، وهو باب من المعارف القرآنيّة ؛ إذ أنّه لم يستعمل إلّا ما شاع عند النّاس ، دون ما تعارف في العلوم . رابعا : جاء من هذه المادّة في القرآن فعل ومصدر واسم وصفة ، وقد جاء الاسم جمعا أربع مرّات بمعنيين كما سبق : البروج الأرضيّة مرّة واحدة ، والبروج السّماويّة ثلاث مرّات ، بنسبة 4 : 1 ، وذلك لخفائها رغم عظمها ، فاقتضى الأمر تكرارها ، بخلاف ما في الأرض لوضوحها . كما أنّ النّسبة بين المشتقّ والاسم الجامد كنسبة 3 : 4 ، بزيادة الجامد درجة واحدة . خامسا : أنّ الإتيان بصيغة الجمع في الموارد الأربعة يزيد في عظمتها وأبّهتها اتّساعا بين اللّفظ والمعنى . سادسا : لم يأت المشتقّ منها إلّا من باب التّفعّل ، وفيه إشعار بالتّكلّف المعمول به عند النّساء ، في إبراز جمالهنّ بكلّ وسيلة ، وقد ورد لها - كما سبق في النّصوص - معنيان : التّزيّن والتّبرّز ، ولعلّهما أخذا معا من الآيات ، وأنّ المراد بها التّكلّف في الأمرين : التّزيّن بكلّ وسيلة ، والبروز في كلّ مناسبة ، وهذا تعبير واف عن شيمة النّساء وديدهنّ في إبراز محاسنهنّ . سابعا : التّقييد ب ( تبرّج الجاهليّة ) ليس للتّخصيص ، بل للإدانة والتّقبيح ، فيشمل كلّ تبرّج خارج عن حدّ العفّة والشّريعة ، وقد حدّدها القرآن في آيات أخرى . ثامنا : منع القرآن النّساء من إبداء الزّينة كما منعهنّ من التّبرّج ؛ حيث قال مرّتين في آية واحدة : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ . . . النّور : 31 . ومنعهنّ أيضا من ضربهنّ بأرجلهنّ ليعلم ما يخفين من زينتهنّ ، تأكيدا لعدم إبداء الزّينة . والمطلوب في الآية مطلق إبداء الزّينة ، إلّا ما استثني في موردين ، أحدهما : إبداء ما ظهر منها طبعا . وثانيهما : إبداؤها لأشخاص معدودين . ويبدو أنّ إبداء الزّينة جزء من التّبرّج وليس عينه ، أو هو أوّل مرحلة منه ، لاحظ « ب د و » .